الرئيسية / دين ودعوة / أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)..
وتدبر القرآن يزيل الغشاوة،
ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر،
ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير. وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير، ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فهي تحول بينها وبين القرآن،
وبينها وبين النور، فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور”.
فهم القرأن ”
إذا قرأ المسلم القرآن وأتقن القراءة، وحفظه وأتقن الحفظ، فأحرى به أن يكون له وقفات عقلية مع آياته وقصصه وقيمه وموازينه وتصوراته وأفكاره وأسسه ومبادئه وأهدافه ومقاصده؛ لأن التدبر نوع من الاهتمام بالقرآن الكريم.
وقد قال الله تعالى: “أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً” [النساء : 82]. وقال أيضا: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” [محمد : 24].
وقد وضح الإمام ابن القيم قيمة الفهم وهو يشرح كتاب عمر في القضاء، فقال: وقوله “فافهم إذا أدلي إليك” صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، ويهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى”. إعلام الموقعين: 1/87. طبعة دار الجيل.
العمل والتطبيق
وهذا الأساس يعتبر ثمرة للأسس السابقة جميعا، ونتيجة طبيعية لها، وإلا تكون الشخصية غير سوية، فلا توجد نفس سوية محبة للناس والخير تحصل هذا الخير العميم ثم تحبسه على شخصها من دون الناس، والقرآن الكريم يومئ إلى معنى التطبيق والتنفيذ وتفعيل هذا الكتاب في حياة الناس، ومن ذلك: “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ” [النساء : 105].
والمتأمل في القرآن الكريم يجد العمل الصالح مقرونا دائما بالإيمان، وحسبنا أن نص قوله تعالى: “آمَنوا وَعَمِلوا الصالِحَاتِ” مكرر في القرآن (48) مرة.
والعمل أو التطبيق له دوائر:
الأولى:وهي دائرة إصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها بما فرضه الله تعالى وسنه النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية:دائرة أسرية، وهي مسئولية الإنسان عن أسرته؛ زوجا وأبناء، وأبا وأما، وإخوة وأخوات، قال تعالى: “وَأْمُرْ أَهْلَكَ دائرة فردية بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى” [طه : 132]. وقال أيضا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأهلبكم نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” [التحريم : 6].
الثالثة: دائرة مجتمعية، وهي الدعوة العامة في المجتمع عبر مؤسساته وهيئاته والوزارات التي تهتم بالدعوة والمجتمع، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.
الرابعة: دائرة عالمية، وفيها تتحقق شهادة الأمة الإسلامية على سائر الأمم، وتكون فيها الأمة مسئولة عن هداية هذا العالم وتبليغ الدين له صافيا نقيا كما نزل به القرآن وجاءت به السنة النبوية.
التبليغ
وهو الأساس الأخير الذي تكتمل به دوائر التعامل مع القرآن الكريم، وبه تتحقق الربانية للمسلم، فلن يبلغ المسلم أن يكون ربانيا إلا إذا تعلم ما يجهل، وعمل بما تعلم، وعلّم ما تعلم، قال تعالى: “وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ” [آل عمران : 79].
ولا يقبل الإسلام من المسلم – فضلا عن الداعية – أن يكون صالحا في نفسه وكفى، بل لابد أن يعمل الخير وينفع الغير؛ ولهذا قال تعالى: ” وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ” [الأعراف : 170].
وفي سياق آخر يرمي القرآن غير المصلحين بصفة “الإجرام”؛ فيقول تعالى: ” فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” [هود : 116 – 117]. فانظر كيف علق القرآن الكريم عدم الإهلاك بوجود المصلحين رغم وجود الظلم فيها.
وإذا كانت الصلاة فرضت بعد العام العاشر من البعثة، والزكاة والصيام والحج والجهاد بعد ذلك، فإن الدعوة مفروضة منذ اليوم الأول بمقتضى قوله تعالى: “ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ” [المدّثر : 1 – 2].
والعلماء لم يختلفوا في فرضية الدعوة ووجوبها، لكنهم اختلفوا هل هي فرض عين أم فرض كفاية، وإذا اخترنا بأقل ما قيل وهو فرض كفاية، فمعنى الكفاية أن تتحقق الكفاية أو الاكتفاء في الأمة، وهو غير متحقق لاسيما في هذا العصر؛ ولذلك فإنني أميل إلى أن الدعوة والتبليغ فرض عين على كل مسلم حسب استطاعته وقدرته، وفي حدود علمه على طريقة: “بلغوا عني ولو آية“.
والنماذج التبليغية كثيرة ومتنوعة في القرآن الكريم، منها الرسل والأنبياء، ومنها مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون، كل هذه نماذج قرآنية وغيرها كثير تؤكد وجوب الدعوة حتى مع وجود الأنبياء والمرسلين، فما بالك بعد ذهاب الرسل، وبقاء الدعاة والمصلحين!! لا شك أن الأمر أوجب والمسئولية أكبر

شاهد أيضاً

النبي الرحمة المهداة

على الرغم من أن الجهل صفة مذمومة لم تُذْكَر في القرآن الكريم غالبًا إلاَّ على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *