الرئيسية / المقالات / هل تخلى الرئيس “مرسي” عن تطبيق الشريعة؟ (2) كتبه د. إسماعيل علي

هل تخلى الرئيس “مرسي” عن تطبيق الشريعة؟ (2) كتبه د. إسماعيل علي

إذا تحاورْتَ مع بعض الذين يلومون الرئيس مرسي بسبب أنه لم يطبّق الشريعة؛ وجدتَ مع الأسف تسطيحا للأمور، وعاطفة مجرَّدة من العلم والفقه، وتصورا ساذجا لموضوع تطبيق الشريعة.

إن بلدا مثل مصر يُزاح الدين منه وتتسلل العلمانية إليه منذ قرابة قرنين من الزمان، لا شك أنه قد ترسّخ فيه واقع فكريٌّ واجتماعيّ وقانونيّ وسياسيّ ابتعد كثيرا عن أحكام الشرع الحنيف، وهذا واقع لا يُنكَر.

فهل كان المطلوب من الرئيس مرسي أن يضغط على زِرٍّ فيزيلَ ذلك الواقع الضخم المغايرَ للشريعة، ويقيمَ على أنقاضه بنفس الضغطة أو بأخرى واقعا جديدا منسجما انسجاما تامًا كاملا مع الشريعة؟؟

أليس تطبيق الشريعة في ظل هذا الواقع يحتاج إلى جهود كثيرة قانونية ولجان عديدة، وخبرات متخصصة متنوعة في شتى المجالات كي تعدل القوانين، وتعالج الآثار، وتغير المنظومة التشريعية والقضائية والتنفيذية والإعلامية والتربوية والتعليمية؟؟

وقد رأينا على سبيل المثال أن العسكر المتآمرين قد قاموا بحل مجلس الشعب قبيل تولِّي الرئيس مرسي مهامَّ الرئاسة !

خذ مثلا قطاع البنوك وباقي المنظومة الاقتصادية، وما تحتاجه لتعديل القوانين وإصلاح النظم المعمول بها، وعلاج الآثار المترتبة على هذا داخليا وخارجيا… كم يحتاج هذا من الجهود والترتيب والإعداد؟؟

إن مراعاة الواقع واعتبارَ المآلات لا يمكن إغفاله إلا مِن جَهولٍ ساذج، ومتهوِّرٍ أحمق، لا يفقه سنن الله الكونية ولا الشرعية، ولا يعلم هدْي الأنبياء والمصلحين في التغيير والإصلاح !

عن عبد الله بن الزبير، قال: حدثتني خالتي يعني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، لولا أنّ قومَك حديثو عهدٍ بشرك، لهدمْتُ الكعبة، فألزقتُها بالأرض، وجعلتُ لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإنّ قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» (رواه مسلم).

وهذا هو عمر بن عبد العزيز الذي كان على رأس السلطة حاكما ممكَّنا، لم يستطع أن يحمل الناس على كامل الشريعة، ونظر إلى الواقع والمآلات، وتوسل بالصبر، ورعاية الحال التي يعيش فيها، والشعبَ الذي يحكمه، مع أن الجميع كانوا قريبي عهد بالنبوة، بل كانوا يعيشون في القرون الفاضلة.

أخرج أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، أنّ عبد الملك بنَ عمر بنِ عبد العزيز قال لأبيه عمر: ما يمنعك أن تُنْفِذ لرأيك في هذا الأمر ـيعني إحقاقَ الحق وإبطالَ الباطل]، فوالله ما كنتُ أبالي أن تَغْليَ بي وبك القُدُور في إنفاذ هذا الأمر.

فقال عمر: «إني أَرُوضُ الناسَ [يعني أطوِّعهم وأعوّدهم] رياضةَ الصعب، فإنْ أبقاني الله مضيتُ لرأيي، وإن عُجِّلتْ عليّ مَنيةٌ فقد علم الله نيتي.

إني أخاف إن بادَهْتُ [يعني فاجأْتُ] الناسَ بالتي تقول أنْ يلجئوني إلى السيف، ولا خيرَ في خيرٍ لا يجيء إلا بالسيف».

وفي رواية عند ابن عساكر أنّ عبد الملك دخل على أبيه عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين:

ماذا تقول لربك إذا أتيتَه وقد تركتَ حقًّا لم تُحْيِه، وباطلا لم تُمِتْه؟!

قال: اقعد يا بني، إنّ آباءك وأجدادك خَدَعوا الناس عن الحق، فانتهت الأمور إليّ وقد أقبل شرُّها، وأدبر خيرُها.

ولكن أليس حسبي جميلا ألا تطلعَ الشمسُ عليّ في يوم إلا أحييتُ فيه حقا، وأمتُّ فيه باطلا، حتى يأتيني الموتُ وأنا على ذلك؟

أي أنه يرى أنْ يعتمد على التدرّج والصبر في التغيير والإصلاح، وتطبيق الشرع الحنيف.

قال لي بعضهم: إذا لم يكن مرسي يستطيع تطبيق الشريعة فكان عليه أن يترك الحكم، وبالمناسبة يقولون هذا أيضا في حق الرئيس “أردوغان”!

قلت: سبحان ربي !

إن هذا كلام لا يستقيم عقلا ولا شرعا.

تطلبون تنحيةَ حاكمٍ مسلم مُقْسطٍ يغار على دين الله، ويُلزِم نفسَه وخاصتَه بشرع الله، ويحمل برنامجا إصلاحيًّا مرجعيتُه ومنطلقه الشرع الحنيف، ويحرص ما وسعه الجهد على إعلاء كلمة الله !

ولمن يتركها؟؟!

يتركها للعلمانيين والفسدة الذين أحالوا نهار بلادنا إلى ظلام دامس دهرا من الزمن، وعملوا جاهدين على طمس أيِّ معلم من معالم الدين فيها، وجعلوها ذيلا تابعا للغرب، ومطية في خدمة أعداء الله والوطن !

لقد أسلم “أصحمة” النجاشيّ رضي الله عنه، وكان يتربع على هرم السلطة ملِكا حاكما في الحبشة، ومع هذا لم يتمكن من إقامة شرع الله في مملكته، بل لم يكن يستطيع أن يجاهر بالالتزام بدينه، وقد ثار عليه أهل الحبشة يومًا؛ لأنه ترك عقيدتهم الضالة في المسيح، وخالف إيمانهم بأنه إله أو ابن إله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وما تخلّص منهم إلا بحيلة كما روت ذلك كتب السيرة.

فهل طلب منه الرسول ﷺ أن يترك المُلْك ويعتزل الحكم؛ لأنه لم يتمكن من تطبيق شرع الله في بلده؟؟

كلا؛ لم يطلب منه هذا، وأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه عدم قدرته على تطبيق شرع الله.

وبقي النجاشيّ رضوان الله عليه في الحكم يُصلِح بقدر ما يستطيع، حتى توفاه الله في السنة التاسعة بعد الهجرة.

وقد أخبر النبيُّ ﷺ المسلمين بوفاته، ونعاه لأصـحابه نعيا رقيقا وَدُودا مُؤثِّرا، فقال ﷺ: «إنّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه، ـ وفي رواية فاستغفروا له»([1]).

والحمد لله أولا وآخرا.

([1]) صلاة النبيِّ ﷺ على النجاشيِّ رضي الله عنه واستغفارُه له ثابت بروايات صحيحة، عند البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد.

شاهد أيضاً

“مبادرة السفير معصوم”..هل ألقت حجرًا في مياه الانقلاب؟! كتبه عزالدين الكومي

في ظل حالة سيولة المبادرات، والتي تنشط في الموسم الصيفى من كل عام مثل أوكازيونات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *