الرئيسية / المقالات / صدق أفيخاي أدرعي وكذب صهاينة العرب بقلم: د. زهير حنيضل

صدق أفيخاي أدرعي وكذب صهاينة العرب بقلم: د. زهير حنيضل

سبحان الّذي أنطقَ أفيخاي أدرعي بالحق وهو كذوب.

لا بدّ أن عين المتابع للأحداث الفلسطينية في الآونة الأخيرة، قد عرّجت على تلك التّغريدة المنشورة عبر حساب الناطق باسم جيش الاحتلال الصهيوني “أفيخاي أدرعي”، تلك التّغريدة الّتي أرادها “أفيخاي أدرعي” مقتلاً للفلسطينيّين والدول المجاورة العربية والإقليمية، فكانت مقتلاً له ولكيانه الصهيوني.

أمّا عن التّغريدة ومناسبتها:
أخذت قضية اعتقال جيش الاحتلال الصهيوني للطفلة “عهد التميمي” -التي تبلغ من العمر 17 عاما – صدى واسعاً في الانتشار والتفاعل والتأييد لحق الفلسطينيين في الدفاع عن حقوقهم وبلادهم وأرضهم، عبر التظاهر والمقاومة سواء.

جاء التفاعل مع اعتقال “عهد التميمي” وسط سيل الاتّهامات للكيان الصّهيونيّ من قبل النّاشطين الحقوقيّين وبقية العامّة وحتى بعض الساسة، بكون هذا الكيان المحتل يعتقل الأطفال ممن هم دون سن الـ 18، فقط لكونهم متظاهرين، ينادون بحقوقهم في أراضيهم التي يسكنها شذاذ الآفاق من المحتلين المستوطنين.

ماذا قال أفيخاي أدرعي في تغريدته؟

يقول أفيخاي أدرعي -وهنا أورد ما قاله حرفياً- معلّقًا على مشهد تركل فيه الطفلة “عهد التميمي” أحد جنود الاحتلال وتطرده من أمام منزلها:

“#تخيلوا ماذا كان ليحدث لهذة المستفزة لو تصرفت بهذا الشكل مع ضباط أو جنود عندكم؟”

فور الانتهاء من قراءة تغريدة “أفيخاي أدرعي”، وبمجرد التأمّل في التسجيل المرئي الّذي يبيّن كيف تقوم الطفلة “عهد التّميمي” بطرد اثنين من جنود الاحتلال بل تضرب أحدهم دون أن يردّ عليها، ستتشكّل لدى القارئ مقارنة سريعة لا إراديّة بين هذه الصّورة، وبين الصّورة الّتي طلب “أفيخاي أدرعي” من القارئين أن يتخيّلوها وهي:

ماذا لو كانت “عهد التّميمي” في بلد عربي آخر، وقامت بما قامت به، فماذا سيكون رد فعل الجنود أولاً والحكومة ثانياً؟

لن يستطيع القارئ أن يكمل عملية تخيّل المشهد في دولة عربية حتّى تعاجله صور الدّمار والقتل والتّعذيب في السّجون والقصف بالطّائرات وقطع الرؤوس التي ظهرت في خضم الثّورات العربية!

حاول الكياني الصهيوني امتصاص الصّدمة التي هزته، فمضى إلى ما هو أبعد من ذلك، في محاولة منه لاستيعاب الهزيمة المدوية له في الأمم المتحدة فيما يخص نقل السفارة الأمريكية من تل الربيع “تل أبيب” إلى القدس المحتلة، وهو الأمر الذي ولد انتفاضة شعبية عربية وإسلامية واسعة جدا، تضامن معها كل حاملي الإنسانية في أصقاع العالم، فأوعز للناطق باسم جيشه “أفيخاي أدرعي” ليحاول تشويه صورة الانتفاضة واللعب على وتر الكلمات، ليظهر الاحتلال الصهيوني بمظهر المظلوم ويظهر الفلسطيني صاحب الأرض بصورة المستفز المتعدّي، فخرج “أدرعي” ليقول للعالم:

“أرأيتم كيف تضرب فتاة فلسطينية مستفزة ضابطاً “إسرائيلياً” فلا يرد عليها، تعود لتضربه فلا يرد عليها وهو حامل للسلاح بيده، أرأيتم كيف يتعامل جنودنا الإنسانيون مع همجية الفلسطينيين وإرهابهم من طفلهم حتى كبيرهم”.

ردة الفعل الأولية للقارئ:
ستتشكل لدى القارئ بوادر متلازمة ستوكهولم، وعليه أن يسارع للاستعاذة بالله من كلٍّ من الشيطان الرجيم و من مندوبه فوق الأرض “أفيخاي أدرعي”، ليلتقط أنفاسه قبل أن يغوص في عملية التّحليل المنطقي للأمور، فيبدأ من كلمة “مستفزة” التي استخدمها “أدرعي” ليصف بها الطفلة “عهد التميمي”، متناسياً أن هذه الطفلة صاحبة الأرض أباً عن جد، وأن المستفز الحقيقي هو الّذي جاء من وراء البحار والّذي لا تربطه بالأرض أية صلة – لا تاريخياً ولا حاضراً – إنما جاء بدعم من الصهيونية العالمية ليحتل أرضاً هي من المقدسات لدى العرب والمسلمين والمسيحيين، هي مهد المسيح ومسرى الرسول محمد عليهما الصلاة والسلام.

ثم لربما يتنبه بعض القراء لكون التعليق جاء رداً على تسجيل مرئي في قرية النبي صالح، لتعاجله صورة لتسجيل مرئي آخر أثناء اعتصام سلمي في القدس، يظهر فيه شابٌ فلسطيني يتحدث الانجليزية مخاطباً جنود الاحتلال:

“هذه الأرض أرضي وأرض أبي وأجدادي، وأنا أتحداكم جميعاً أن يثبت أحدكم أن لجده أرضٌ في فلسطين وأنا مستعدٌ لأن أعطيه منزلي فورا وأتنازل له عنه!”.

من أين جاء هذا الشاب بهذه الثقة؟
لماذا لم يردوا عليه! لماذا لم يقولوا له أنت كاذب وهم يحملون السلاح وهو أعزل! لماذا لم يرد عليه “أفيخاي أدرعي”!

من هنا، تولد بذرة الفهم الصحيح للحقيقة المخفية حول “تغريدة أفيخاي أدرعي”، وصولاً لردة الفعل الحقيقية المناسبة تجاهها.

مشروع صهيونيّ متعوب عليه:
إن ما قاله “أفيخاي أدرعي” بسطر واحد، هو خلاصة لمشروع تعب عليه كثيراً، ما بين تنصيب أنطمة عربية حاكمة فاسدة، وما بين افتعال صراعات وحروب وهمية لإظهار تلك الحكومات بمظهر المعادي للكيان الصهيوني والساعي لاستعادة الأرض وتحريرها وعلى رأسها فلسطين لمنحها صفة الشرعية لاستمراريتها.

تبلورت تفاصيل المشروع الصهيوني عبر عقود، عبر الممارسات القمعية للأنظمة العربية الحاكمة وسلطة العسكر ولم تسلم دول الجوار من الأمر فسادها هي الأخرى حكم العسكر وبقيت بين انقلابات عسكرية وحكومات هزيلة حتى مطلع الألفية الثانية، وحين انطلقت ثورات الربيع العربي سارع اللوبي الصهيوني إلى تذكير مندوبيه بهيئة حكام في بعض دول العرب بأن القمع هو أساس بقائهم وأن أي شيء سواه سيجعلهم ينتهون نهاية مأساوية أمام مد الجماهير الثائرة، فكانت النتيجة قتل وتعذيب وتهجير وتدمير.

كان التنبيه الصهيوني لشركائه من العرب بأنه يجب اتباع أقصى سياسة قمعية ممكنة، عليهم أن يتفننوا في الإجرام وأن يقدموا للعالم صوراً مروعة عن التعذيب والقتل الممنهج حتى ليغدو الواحد منهم رمزاً للخوف و الرعب الملازم لاسمه بمجرد ذكره، مع ضمان الكيان الصهيوني لبقاء هذه الأنظمة وتقديم الغطاء لها للقتل والتفنن في الإجرام وضمان عدم محاسبتها دولياً في حال تنفيذها لما هو طلوب لاستمراريتها.

بالفعل، تم تنفيذ المهمة على أكمل وجه، فرأينا قمعاً لا مثيل له، ففي الثورة السورية أكثر من مليون شهيد ونصف مليون ما بين معتقل ومغيّب، و7 ملايين نازح ضمن سورية بالإضافة إلى 7 ملايين نازح خارج سورية، بالإضافة إلى أكثر من مليون يتيم ونصف مليون أرملة ومليون شخص بلا أطراف، أي أن بشار الأسد نجح في عملية تحويل أكثر من 73% من سكان سورية بين قتيل ومعتقل ومهجر ويتيم وأرملة وجريح وصاحب إعاقة دائمة!

لم يخلف الكيان الصهيوني في وعوده، فرأينا الفيتو تلو الفيتو في الأمم المتحدة ضد كل المشاريع التي قدمت لإدانة المجرم بشار الأسد، مع مراعاة عدم إعطاء أية فرصة للمجرم بشار الأسد وسواه لاستغلال الأمر لصالحهم، فكان الكيان الصهيوني يقصف في سورية حيث ومتى شاء، وفي دول أخرى لم يعد الكيان الصهيوني يرضى بأن تبقى العلاقات المتينة بينه وبين بعض الأنظمة سرية، فبات يسرب التصريحات لمسؤوليه الرسميين عن العلاقات المتينة مع تلك الدول وقدمها، فالمرحلة مختلفة وتتطلب من وجهة النظر الصهيونية استثمار الظروف المهيئة لترسيخ وجوده عبر إشهار للعلاقات القديمة المستمرة بينه وبين الأنظمة التي تدعي محاربته، تمهيداً للتطبيع معه في ظل وجود قرار بحتمية إنهاء الوضع في فلسطين وجوارها وامتدادها العربي والمسلم بالقبول بالكيان الصهيوني – علانية – وفتح باب الدول له في كل المجالات إيذاناً بحقبة جديدة من الوجود الصهيوني.

ملامح المشروع الصهيوني:
تعب الكيان الصهيوني كثيراً للوصول لهذه الصورة النمطية التي أشار إليها “أفيخاي أدرعي”، بدأت فصولها في عهد طغاة المنطقة في بلاد العرب والجوار، فكان المواطن يرتعش خوفاً لمجرد مرور شرطي بجواره، فكان حكم العسكر تحت ستار أحزاب سياسية، مما جعل المواطن في تلك الدول يعيش حالة انفصامية لا مفر منها.

تدعو الأنظمة التي تحكمه إلى تحرير فلسطين وعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، بينما هو مقموعٌ من قبل ذات الأنظمة، فاقدٌ للحرية، لا يجرؤ سوى على التسبيح بحمد الحاكم والتصفيق له اتقاء غضب الأجهزة الأمنية، والتي يعني غضبها الغياب في غياهب السجون بتهم مسبقة وما أكثرها.

عمل الكيان الصهيوني على قاعدة التميز، ففي قانون التميز أنت أمام خيارين:
الأول: أن تعمل وتتطور لتسابق من حولك.
وتلك مهمة مستحيلة لكيان قائم على العنصرية والاحتلال ومؤسس على مجازر مروعة ارتكبها بحق الفلسطينيين ذبحاً وتهجيراً لهم من أراضيهم، وجلباً للمرتزقة من أصقاع الأرض ليجعل منهم مواطنين في دولةٍ؛ لا مكان فيها لغير الناطقين بالعبرية والذارفين الدموع عند حائط المبكى، ذلك الحائط الّذي لم يسلم من تزوير الصهيونيين فجعلوا منه رمزاً لهم ولتقيتهم، بينما هو في حقيقة الأمر ملكٌ للمسلمين بوثائق تثبت ذلك تحدث عنها قبل أيام السفير الجزائري السابق في دمشق.

لم يكن هذا الخيار متاحاً كلياً للكيان الصهيوني فتطبيقه – عملياً – يعني إنهاء وجوده، فعمل على اجتزائه، عبر اختيار ما يلزم وترك ما يضر، فكانت أفعاله على التوازي، ما بين قمعٍ للفلسطينيين وترويجٍ لديمقراطيته باحتواء عدد من الفلسطينيين العرب ضمن الكنيست، مع هامش بسيط جداً لهم للكلام ليقول للعالم أنه ديمقراطي لا عنصري، وأنه وحتى في برلمانه هناك عرب مسلمون!

الثاني: أن تبقى كما أنت، بينما تجعل من حولك يتقهقر متخلفا، فتصبح صاحب الريادة.
استراتيجية المشروع الصهيوني:
ما فعله الكيان الصهيوني، أنه عمل على الخيارين معاً، فحاول تصدير نفسه كبلد ديمقراطي، للأسرى في سجونه حقوق وتتم الاستجابة لمطالبهم ولإضراباتهم، وفي الوقت نفسه جعل الأنظمة – التي من المفترض أنها تصارعه وترفض وجوده – مثالاً للقمع والهمجية واستعباد المواطنين، بحيث يكون الكيان الصهيوني – مهما ارتكب من الجرائم الإنسانية – كحمامة سلام مقارنة بما تفعله تلك الأنظمة الحاكمة.

وصلت نتائج هذا المخطط الصهيوني إلى التغلغل حتى في كتابات بعض النخب العربية الوطنية، فرأينا من يقول:

إن إيران أشد خطراً على العرب من الكيان الصهيوني، في ظل المشروع التوسعي الطائفي المقيت الذي تعمل عليه إيران انطلاقاً من قم مروراً بالعراق وصولاً لسورية فلبنان وعبوراً للبحار وصولاً لليمن.

الخلط بين الخطر الصفوي الحقيقي، ومقارنته مع الخطر الصهيوني، وضع بعض النخب في موضع المقارن بين الموت شنقاً والموت إعداماً بالرصاص، وكلاهما موت لا فرق بينهما.

المقارنة بين الخطرين الصفوي والصهيوني غير واردة، فلولا موافقة الكيان الصهيوني لما رأينا مرتزقة حزب اللات بقيادة الدجال حسن نصر الشيطان، وبقية جوقة المرتزقة الطائفية التابعين لمرجعية “قم” يصولون ويجولون على بعد أمتارٍ من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، بل إن الأمر تعدّى تلك الميليشات الطائفية ذات الولاء لقم، ليصل إلى داعش!

داعش الإرهابية لا تبعد عن الحدود السورية مع فلسطين المحتلة سوى بضعة أمتار فكيف سكت الاحتلال الصهيوني على وجودها محاذيةً له!

خلاصة القول:
إن ما حاول أفيخاي أذرعي استثماره، ارتدّ عليه وبالاً، مع وعي ويقين الإنسان العربي وجاره المسلم أن الكيان الصهيوني هو سبب بلاء المنطقة منذ نشأته وأنه يتحكم بخيوط اللعبة في المنطقة، مستنداً على تحكمه بخيوط القرار العالمي عبر اللوبي الصهيوني صاحب الإمبراطورية المالية والإعلامية والسياسية الضخمة الممسكة بخيوط السياسة العالمية.

يبقى أن تكون أفعال أهل السياسة في الشرق الأوسط على ذات التّردّد الجماهيريّ النابض برفض هذا الكيان الصهيوني، حينها ستلتحم إرادة الشعب الحي مع إرادة الحاكم الجماهيري ضمن موجة واحدة سيكون لها الأثر العظيم في جعل أفخاي أدرعي يبتلع لسانه مستعيداً لشيطانه، ومنزوياً منكفئاً مهزوماً أمام الوعي لما يحاول تصديره من مشروع صهيوني مقيت.

 

شاهد أيضاً

الإخلاء القسري.. إرادة عسكر!! كتبه عزالدين الكومي

بعد بيان المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بعد أحكام الإعدام التي أصدرتها حنايات القاهرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *